الياس شوفاني
320
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
الاضطرابات التي حركها اغتيال القيصر الليبرالي ، ألكسندر الثاني ، على يد نفر من القوميين الروس في آذار / مارس 1881 م ، الأمر الذي نجم عنه اندلاع أعمال العنف والاضطهاد ضد اليهود في المدن الروسية ، لاتهامهم بالمشاركة في عملية اغتيال القيصر ، واستمرت حتى سنة 1883 م . وقد لبّت النزعات المعادية لليهود في روسيا ، لأسباب اجتماعية - اقتصادية كانت تعاني منها روسيا في تلك المرحلة ، أعمال التنكيل بهم ، وصولا إلى حصر أماكن إقامتهم وفرض القيود عليها . وموجة الاضطهاد هذه حفزت النزعات الصهيونية لدى يهود روسيا ، ودفعتهم إلى الهجرة والاستيطان في فلسطين ، من جهة ، وإلى الولايات المتحدة من جهة أخرى . فإزاء إجراءات القمع الروسية ضد اليهود ، وجد بعض المثقفين منهم الفرصة المواتية للخروج ضد طروحات الاندماج التي ينادي بها مثقفون يهود آخرون مثل المؤرخ دوفنوف ، ويتبناها يهود نشيطون في الحقل السياسي . وأصدر الكاتب الصهيوني موشيه ليب ليلينبلوم ( 1843 - 1910 م ) كراسا بعنوان « بعث الشعب اليهودي في أرض أجداده المقدسة » ( 1883 م ) ، دعا فيه إلى اعتناق الصهيونية ، ورفض الاندماج كحل دائم للمسألة اليهودية . وتبعه الحاخام شموئيل موهيلفر ( 1824 - 1898 م ) ، فقام بتأسيس أول جمعية لأحباء صهيون ( 1882 م ) . ثم ما لبثت هذه الجمعيات أن انتشرت في رومانيا وألمانيا وبريطانيا والنمسا ، وحتى في الولايات المتحدة الأميركية . وتتلخص أهداف هذه الجمعيات بالتالي : 1 ) تحقيق استعمار فلسطين على يد اليهود ؛ 2 ) نشر الفكرة القومية بين اليهود وتعزيزها ؛ 3 ) رفع شأن اللغة العبرية باعتبارها لغة قومية ؛ 4 ) رفع مستوى الجماهير اليهودية من جميع النواحي . وكان الطبيب اليهودي والكاتب الصهيوني ليو بنسكر ( 1821 - 1891 م ) الأكثر تعبيرا عن النزعة الصهيونية الاستيطانية كحل للمسألة اليهودية في روسيا . وفي مواجهة طروحات الاندماج المتعددة ، التي راجت في تلك الفترة ، أصدر بنسكر كراسا بعنوان « التحرر الذاتي » ( 1882 م ) ، أصبح دليل عمل للمستوطنين من أحباء صهيون . وكان بنسكر جازما في طرحه بعدم إمكان اندماج اليهود في مجتمعاتهم ، وعلل ذلك بأسباب موضوعية متعلقة بتلك المجتمعات التي ترفض التعامل مع اليهود على قدم المساواة ، وبأخرى ذاتية تتعلق بعدم آهلية اليهود أنفسهم للاندماج . فاليهود في نظره عنصر مميّز ، لا يمكن دمجه في غيره من الأمم ، كما يعسر على أية أمة هضمه واستيعابه ، وبانعدام الوعي القومي لديهم ، يستحيل على اليهود تحقيق الوجود القومي . ومن هنا ضرورة خلق هذا الوعي ، كما يطرح بنسكر ، كخطوة أولى نحو